الشيخ محمد رشيد رضا
449
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من تعمد التقصير أو الاهمال ، فعليكم ان تقوموا لها بحقوق الزوجية الاختيارية كلها وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً اي وان تصلحوا في معاملة النساء وتتقوا ظلمهن وتفضيل بعضهن على بعض في المعاملات الاختيارية كالقسم والنفقة فان اللّه يغفر لكم ما دون ذلك مما لا ينضبط بالاختيار كالحب ولوازمه الطبيعية من زيادة الاقبال وغير ذلك لان شأنه سبحانه المغفرة والرحمة لمستحقها يظن بعض الميالين إلى منع تعدد الزوجات أنه يمكن ان يستنبط من هذه الآية وآية فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً ان التعدد غير جائز لان من خاف عدم العدل لا يجوز له ان يزيد على الواحدة وقد اخبر اللّه تعالى ان العدل غير مستطاع وخبره حق لا يمكن لاحد بعده ان يعتقد أنه يمكنه العدل بين النساء ، فعدم العدل صار أمرا يقينيا ويكفي في تحريم التعدد ان يخاف عدم العدل بأن يظنه ظا ، فكيف إذا اعتقده يقينيا ؟ ، كان يكون هذا الدليل صحيحا لو قال تعالى « وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ » ولم يزد على ذلك ، ولكنه لما قال « فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ » الخ علم أن المراد بغير المستطاع من العدل هو العدل الكامل الذي يحرص عليه أهل الدين والورع كما بيناه في تفسير الآية وهو ظاهر من قوله « وَلَوْ حَرَصْتُمْ » فان العدل من المعاني الدقيقة التي يشتبه الحد الأوسط منها بما يقاربه من طرفي الافراط والتفريط ولا يسهل الوقوف على حده والإحاطة بجزئياته - ولا سيما الجزئيات المتعلقة بوجدانات النفس كالحب والكره وما يترتب عليهما من الاعمال ، - فلما أطلق في اشتراط العدل اقتضى ذلك الاطلاق ان يفكر أهل الدين والورع والحرص على إقامة حدود اللّه وأحكامه في ماهية هذا العدل وجزئياته ويتبينوها كما تقدم آنفا ، فبين لهم سبحانه في هذه الآية ما هو المراد من العدل وانه ليس هو الفرد الكامل الذي يعمّ اعمال القلوب والجوارح لأن هذا غير مستطاع ولا يكلف اللّه نفسا الا وسعها « تفسير النساء » / « 57 خامس » / « النساء ج 5 »